نصر حامد أبو زيد

88

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

وسواء كان فرض الصلاة قبل المعراج أم بعده فلا بد أن تكون سورة الفاتحة قد نزلت قبل ذلك ، ولا بد من ثم أن تكون مكية . ورغم أن كلا من السيوطي والزركشي في « المكي والمدني » يقرّ أنها سورة مكية ، فإنهما في « أسباب النزول » يقرران أنها من السور التي نزلت مرتين . والسبب وراء هذا التضارب في أقوالهما أن المفسرين ذهبوا إلى أن معنى « المغضوب عليهم » و « الضالين » اليهود والنصارى . وقد تحول هذا التفسير ، أو بالأحرى التأويل ، إلى أن يكون منطوقا للنص عند المتأخرين من العلماء ، ومن هنا نشأ أصل القول بأن السورة مدنية ما دامت تتضمن إشارة إلى اليهود النصارى ، أي إلى أهل الكتاب . من هنا نشأ التعارض بين هذا الفهم الذي يضعها في دائرة « المدني » وبين الروايات والحقائق التي تؤكد أنها من القرآن « المكي » . وبسبب عجز العالم المتأخر عن اتخاذ موقف نقدي لجأ إلى التلفيق بين الأمرين بالقول انها نزلت مرتين . والأمر في سورة الاخلاص أوضح من ذلك وأبين ، فالسورة ذاتها - أي من حيث تركيبها وبناؤها اللغوي وقصرها وقصر آياتها وتكرار الفاصلة - تؤكد أنها « مكية » . والسورة أيضا من حيث مضمونها تدور حول التوحيد ، وهو قضية القضايا في مواجهة المشركين وعبدة الأوثان . ولم يكن الخلاف مع أهل الكتاب من اليهود والنصارى خلافا حول مبدأ التوحيد ذاته ، بل كان خلافا حول مفهوم التوحيد مع النصرانية من جهة ، وخلافا حول تفاصيل الشريعة وقضايا الحرام والحلال مع اليهود من جهة أخرى . وعلى ذلك فالروايات التي تنسب إلى اليهود أنهم سألوا محمدا عن « نسب » الرب ، وتفترض من ثم أن السورة مدنية روايات يجب ألا يعتد بها . « 1 » إن افتراض تكرر نزول السور والآيات لم يقف عند حدود تقبل الآراء كلها والتلفيق بينها سواء في مجال التفسير أم في مجال « المكي والمدني » و « أسباب النزول » ، بل اعتبرت الأحرف السبعة التي ورد أن القرآن نزل بها تنزيلات مختلفة لنفس النص ، بحيث ينزل كل مرة على حرف من هذه الحروف ، وبذلك يكون النص نزل سبع مرات ، وبذلك تفسّر ظاهرة الأحرف السبعة بتكرر النزول أيضا : قد يجعل من ذلك الأحرف التي تقرأ على وجهين فأكثر ، ويدل له ما أخرجه مسلم من حديث أبيّ « ان ربي أرسل إليّ أن أقرأ القرآن على حرف فرددت اليه أن هوّن على أمتي فأرسل إليّ أن اقرأ على حرفين ، فرددت اليه أن هون على أمتي فأرسل إليّ أن اقرأه على سبعة أحرف » فهذا الحديث يدل على أن القرآن لم ينزل من أول وهلة بل مرة بعد أخرى . وفي جمال

--> ( 1 ) يتمسك السيوطي في « أسباب النزول » بأن سورة الاخلاص « مدنية » .